ابن أبي الحديد

58

شرح نهج البلاغة

ويعزم على أداء الواجب فيما بعد . فأما القول في أن التوبة تسقط العذاب فعندنا إن العقل يقتضى قبح العقاب بعد التوبة ، وخالف أكثر المرجئة في ذلك من الامامية وغيرهم ، واحتج أصحابنا بقبح عقوبة المسئ إلينا بعد ندمه واعتذاره وتنصله ، والعلم بصدقه والعلم بأنه عازم على ألا يعود . فأما القول في وجوب التوبة على العصاة ، فلا ريب أن الشرع يوجب ذلك ، فأما العقل فالقول فيه إنه لا يخلو المكلف إما أن يعلم أن معصيته كبيرة ، أو يعلم إنها صغيرة ، أو يجوز فيها كلا الامرين ، فإن علم كونها كبيرة وجب عليه في العقول التوبة منها ، لان التوبة مزيلة لضرر الكبيرة ، وإزالة المضار واجبة في العقول ، وإن جوز كونها كبيرة وجوز كونها صغيرة ، لزمه أيضا في العقل التوبة منها ، لأنه يأمن بالتوبة من مضرة مخوفة ، وفعل ما يؤمن من المضار المخوفة واجب ، وإن علم أن معصيته صغيرة ، وذلك كمعاصي الأنبياء ، وكمن عصى ثم علم بإخبار نبي إن معصيته صغيرة محبطة ، فقد قال الشيخ أبو علي : إن التوبة منها واجبة في العقول ، لأنه إن لم يتب كان مصرا والاصرار قبيح . وقال الشيخ أبو هاشم : لا تجب التوبة منها في العقل بالشرع ، لان فيها مصلحة يعلمها الله تعالى ، قال : إنه يجوز أن يخلو الانسان من التوبة عن الذنب ، ومن الاصرار عليه ، لان الاصرار عليه هو العزم على معاودة مثله ، والتوبة منه أن يكره معاودة مثله مع الندم على ما مضى ، ويجوز أن يخلو الانسان من العزم على الشئ ، ومن كراهته . ومال شيخنا أبو الحسين رحمه الله إلى وجوب التوبة هاهنا عقلا ، لدليل غير دليل أبى على رحمه الله .